ستيلانتيس: عملاق على قدمين من طين يواجه تحدي «إعادة الضبط»
بعد عام 2025 الأسود الذي تميز بخسائر صافية تاريخية والتوقف المفاجئ لعدة مشاريع، يبدأ مصنع السيارات مرحلة نقاهة صعبة. ورغم أن الربع الأول من عام 2026 يظهر علامات تعافٍ خجولة، إلا أن الشكوك لا تزال قائمة في الأسواق المالية بشأن قدرة المجموعة على استعادة أمجادها السابقة.
بقلم هيئة التحرير
نُشر في 21 مايو 2026
حتى عامين مضيا، كانت مجموعة “ستيلانتيس” (Stellantis) تُقدم نفسها كآلة توليد نقود لا تقهر في قطاع السيارات العالمي، محققةً هوامش تشغيلية من رقمين تحت قيادة إدارتها السابقة. أما اليوم، فقد حان وقت الواقعية وإعادة البناء. يمر الصرح الصناعي، المولود من اندماج مجموعتي “PSA” الفرنسية و”Fiat Chrysler” الإيطالية-الأمريكية، بأزمة نمو غير مسبوقة، تجلت في انهيار أسهمها في البورصة، والتي سجلت انخفاضاً بنحو 30% منذ بداية عام 2026 لتستقر عند حوالي 6.30 يورو.
صدمة عام 2025: خطأ في تحديد المسار
لفهم الوضع الحالي، لا بد من العودة إلى الزلزال المالي الذي شهده العام المالي 2025. فبسبب المبالغة الواضحة في تقدير سرعة التحول نحو الطاقة النظيفة — مما دفع المجموعة إلى إنتاج سيارات كهربائية (BEV) قوبلت بعزوف من المستهلكين — اضطرت ستيلانتيس إلى إجراء عملية “إعادة ضبط” (Reset) طارئة.
وكانت تكلفة هذا التحول الاستراتيجي باهظة للغاية: 22.2 مليار يورو من الرسوم الاستثنائية سُجلت في النصف الثاني من عام 2025، وشملت تخفيضات حادة في قيم المنصات الصناعية والإلغاء التام لبرامج رائدة، مثل شاحنة “Ram 1500 BEV” التي كانت منتظرة بشدة في الولايات المتحدة. وجاء العقاب الفوري للمساهمين عبر اضطرار المجموعة إلى تعليق توزيع أرباح الأسهم لعام 2026.
وبعيداً عن الخيارات التكنولوجية الخاطئة، ساهمت الإخفاقات التشغيلية المزمنة في إضعاف أداء المجموعة. ففي أوروبا، أدت مشاكل موثوقية المحركات (خاصة أزمة محركات PureTech) إلى تآكل ثقة العملاء، مما نتج عنه تراجع حاد في الإنتاج داخل مصانع كانت تعمل أحياناً بنصف طاقتها الاستيعابية فقط. أما في الولايات المتحدة، فقد تسببت سوء إدارة المخزونات وتأثير الحواجز الجمركية في تآكل الحصص السوقية للمجموعة.
الربع الأول من عام 2026: متنفس مؤقت دون إفراط في التفاؤل
يسعى الرئيس التنفيذي الجديد، أنطونيو فيلوزا، الذي عُيّن في الربيع الماضي لإعادة توجيه السفينة، جاهداً لإعادة “العميل إلى قلب الاهتمام”. وقد حملت نتائج الربع الأول من عام 2026، والتي نُشرت في أواخر أبريل، بصيص الأمل الأول.
حيث عادت الإيرادات الصافية إلى المنطقة الإيجابية لتسجل 38.1 مليار يورو (+6%)، كما تحول صافي الدخل ليصبح إيجابياً بواقع 377 مليون يورو مقارنة بخسارة بلغت 387 مليون يورو في الفترة نفسها من العام الماضي.
«أولويتنا واضحة: تصحيح ثغرات التنفيذ التي حدثت في الماضي دون كلل»، صرّح أنطونيو فيلوزا.
ومع ذلك، فإن هذا التحسن الخجول لم يطمئن المحللين الماليين تماماً. إذ يعتمد هذا التعافي بشكل كبير على حلول مالية مؤقتة وقصيرة المدى: تقليص حاد في الوظائف في أوروبا، والعودة المخطط لها لمحركات الاحتراق الداخلي (البنزين والديزل) الأكثر ملاءمة للميزانيات، وإصدار ضخم لسندات هجينة بقيمة 5 مليارات يورو في مارس الماضي لإعادة بناء السيولة النقدية.
ظل المنافسة الصينية وخيار “BYD”
ولسد الفراغ في مصانعها الأوروبية غير المستغلة بالكامل، باتت ستيلانتيس مضطرة لمراجعة تحالفاتها. فبعد أن فتحت الباب لشريكتها الصينية “Leapmotor”، جاءت الشائعات وعلامات الاهتمام الأخيرة من العملاق الصيني “BYD” بالقدرات الصناعية لـستيلانتيس لتعيد رسم الخريطة الاستراتيجية للمجموعة. ورغم أن السهم شهد ارتداداً فنياً موجزاً عقب هذه الأنباء، إلا أن العديد من المراقبين يرون في ذلك إدارة لمرحلة تراجع، أو في أفضل الأحوال، اعترافاً بالضعف أمام المد المتصاعد للمصنعين الآسيويين.
يبدو أن “يوم المستثمر” (Investor Day)، الذي سينعقد في 21 مايو 2026 في أوبورن هيلز (ميشيجان)، سيكون حاسماً. وسيتعين على أنطونيو فيلوزا تقديم خارطة طريق دقيقة لإقناع الأسواق بأن مسار النمو المربح الموعود للنصف الثاني من عام 2026 ليس مجرد سراب محاسبي. إن الطريق لا يزال طويلاً ومحفوفاً بالتحديات ليستعيد عملاق السيارات بريقه السابق.



Leave a comment