هل ستصبح السيارات الهيدروجينية واقعاً يوماً ما؟

نعيد هنا نشر مقال تحليلي (Chronique) كما هو للباحث أكسل فيلاريال (Axel Villareal)، عالم الاجتماع والباحث في مركز “جيربيسا” (Gerpisa) والأستاذ المساعد المشارك في المدرسة الوطنية العليا للمناجم بنانت (Ecole des Mines de Nantes)، والذي نُشر على موقع autoactu.com. ويتميز هذا التحليل بقدرته على تبيان ما إذا كانت السيارات الهيدروجينية ستتحول يوماً ما إلى حقيقة ملموسة.

منذ قضية فولكس فاجن والتقلبات التي شهدها وقود الديزل في سوق السيارات الجديدة، عادت النقاشات حول البدائل للمحركات الحرارية إلى واجهة الأحداث. وفي الواقع، تميز معرض باريس الدولي للسيارات الأخير بإنعاش قطاع السيارات الكهربائية وبالإعلانات الوفيرة من قِبل المصنعين حول استثماراتهم في وسائل التنقل الجديدة؛ كالمركبات الكهربائية، الهجينة، وتلك التي تعمل بالهيدروجين.

هذا الاهتمام المتجدد من قِبل المهنيين والسياسيين بالمحركات الجديدة عاد بالفائدة، في الوقت الحالي، على المركبات الكهربائية بالدرجة الأولى. وتكاد المساعي التي أعلنت عنها شركة فولكس فاجن في هذا الصدد تقنع المشككين، وتساهم في تركيز الانتباه على هذا الجزء الجديد من السوق.

علاوة على ذلك، فإن مدى بطاريات السيارات في ارتفاع مستمر، ومع الدعم الحكومي السخي في السنوات الأخيرة، أصبحت السيارات الكهربائية اليوم جزءاً من المشهد العام للسيارات، ومن المرجح أن تأخذ مساحة أكبر في المستقبل، لا سيما في الصين حيث أعلنت شركة رينو عن طرح مركبة كهربائية منخفضة التكلفة (Low-cost).

ومع ذلك، فإن هذا الزخم السياسي والإعلامي المسلط على الكهرباء كان يميل إلى حجب التطورات التكنولوجية الموازية الأقل تسييساً، والتي يثير تطورها اليوم تساؤلات لدى المهنيين في هذا القطاع.

فخلال معرض باريس، أعلنت كل من تويوتا، وهوندا، وهيونداي عن طرح مركبات في السوق تُعرف بأنها “تعمل بالهيدروجين”، وهي: تويوتا ميراي (Toyota Mirai)، هوندا كلاريتي (Honda Clarity)، وهيونداي آي إكس 35 (Hyundai ix35). كما أعلنت شركة بي إم دبليو (BMW) أنها تعمل على نموذج تجاري تسلسلي لعام 2020. ورغم أن سيارة “ميراي” بدأ تسويقها في آسيا منذ فترة قصيرة، إلا أن إنتاجها التسلسلي وتموقع منافسيها يوحي بتوسع أكبر في السوق العالمية.

يوتوبيا (أوهام) صناعية قديمة العهد

إن هذه المركبات المسماة “هيدروجينية” هي في الواقع تجسيد لفكرة قديمة في صناعة السيارات، وتتمثل في تطوير استخدام خلايا الوقود (Pile à combustible) على نطاق واسع في قطاع النقل.

وقد تم الكشف عن أول نموذج تجريبي “متين” لخلية الوقود من قِبل إف. تي. بيكون (F.T. Bacon) في أوائل خمسينيات القرن الماضي، وتعتمد الفكرة على تحويل الوقود، وتحديداً الهيدروجين والأكسجين، إلى ماء مع إنتاج تيار كهربائي.

تطبيقاتها المحتملة متعددة وتلمس تقريباً جميع مجالات الاقتصاد. ومنذ ستينيات القرن الماضي، كانت تشكل أفقاً يسعى قطاع البحث والتطوير (R&D) للوصول إليه، لدرجة أن المؤرخين وصفوها بـ “حجر الفلاسفة” أو “اليوتوبيا السحرية” (1).

وكما يوضح بيير تيسيي (Pierre Teissier) بشكل جيد، فإن خلايا الوقود تمثل، منذ القرن التاسع عشر، يوتوبيا تعكس قبل كل شيء رغبة الصناعيين في إخفاء التلوث الناتج عن أنشطتهم، وإيمان المسؤولين المنتخبين بإمكانية الوصول يوماً ما إلى طاقة يمكن التحكم فيها وغير محدودة. ويصف ماثيو أيسلر (Matthew Eisler) خلية الوقود بـ “حجر الفلاسفة” لكونها استحوذت لفترة طويلة على اهتمام الكيميائيين ولأنها تحظى بطابع “سحري”، أي أنها بمثابة حل معجزة لجميع مشاكل الطاقة في العالم المعاصر.

وإذا كانت هذه التكنولوجيا جذابة إلى هذا الحد، فذلك لأن مزاياها كبيـرة، لا سيما في قطاع النقل؛ إذ إنها تسمح للمركبات الكهربائية بالتخلص من عيبيها الرئيسيين: المدى (الأوتونوميا) ووقت الشحن.

فمن خلال التزود بالهيدروجين في غضون 5 دقائق فقط في محطة مخصصة، يمكن للمركبة الكهربائية أن تقطع مسافة تزيد عن 400 كم دون أن تطرح في الغلاف الجوي سوى بخار الماء. ولهذا السبب، يهتم المصنعون حول العالم بهذه التكنولوجيا منذ فترة طويلة نظراً لإمكاناتها البيئية والطقوية الكبيرة. ومع ذلك، فقد واجهوا حتى الآن ثلاث مشاكل رئيسية:

  • إنتاج الهيدروجين: يتطلب تصنيع الهيدروجين عملية تُعرف بـ “إعادة التشكيل بالبخار” (Vaporeformage)، والتي تقوم على تفاعل الميثان مع بخار الماء. ورغم أن هذه العملية معروفة ومثبتة اقتصادياً، إلا أن عيبها الصارخ يكمن في أنها تتسبب في انبعاثات قوية للغازات الدفيئة وتستهلك الطاقة؛ وبالتالي، فإن تطبيقها في مجال النقل لن يحمل أي قيمة مضافة للبيئة.

  • تكلفة التصنيع: تُعد تكلفة إنتاج خلية الوقود باهظة للغاية لأنها تتطلب استخدام البلاتين كعامل حفاز (Catalyseur). وتقتصر خلايا الوقود اليوم على سوق ضيقة جداً (Niche) محجوزة أساساً لقطاع الطيران والفضاء أو المجال الطبي، حيث يتم تبرير النفقات بطبيعة الأهداف والقيود المفروضة؛ ومن ثم، فهي لا تكون مجدية اقتصادياً إلا في ظروف خاصة جداً بسبب تكلفتها العالية.

  • غياب الشبكة البنيوية: إن الشبكة اللازمة لنشر هذه التكنولوجيا على الطرقات بشكل مكثف غير موجودة حالياً. فمحطات الخدمة، ومراكز الصيانة، ومراكز إنتاج الطاقة والهيدروجين، ومرافق التخزين كلها أمور لا تزال بحاجة إلى التخطيط والابتكار. وبالتأكيد، يمكن لجزء من هذه الشبكة أن يعتمد على البنية التحتية القائمة، ولكن ذلك لن يتم إلا بشكل محدود وبتكاليف ستظل مرتفعة.

لماذا الآن؟

إذن، لماذا يتعين علينا في عام 2016 أن نؤمن بهذه التكنولوجيا أكثر من ذي قبل؟ تبرز جولة سريعة في الصحافة الاهتمام المتزايد من قِبل الصناعيين بـ “أجهزة التحليل الكهربائي” (Électrolyseurs)، وهي أجهزة كهرومغناطيسية قادرة على تفكيك جزيئات الماء بفضل أغشية تبادل البروتونات للأكسجين والهيدروجين. وقد رأت منشأتان صناعيتان تستخدمان هذه العمليات النور في فرنسا: جهاز التحليل الكهربائي التابع لشركة “H2gen” (فرع أريفا) في منطقة “أوليس”، ومشروع “جوبيتر 1000” (Jupiter 1000) في “فوس سور مير”.

نظرياً، يمكننا استيعاب الفائدة من هذا الجهاز التقني بسرعة: فعند ربطه بمصدر للطاقة المتجددة مثل طاقة الرياح أو الطاقة الكهرومائية، يتيح جهاز التحليل الكهربائي إنتاج الهيدروجين مع تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مما يعني التخلص من التلوث الناجم عن عملية إعادة التشكيل بالبخار.

من جهة أخرى، يتيح التحليل الكهربائي تخزين الفائض من الكهرباء المُنتجة بشكل متقطع من التوربينات الهوائية والألواح الشمسية على شكل غاز، ليتم إعادة توزيعها لاحقاً أثناء ذروة الاستهلاك عبر خلية وقود (وهو المبدأ المعروف بـ “الطاقة إلى غاز” أو Power to Gas والذي يحاول مشروع “جوبيتر 1000” اختباره).

وعلى الرغم من أن الطاقة المستهلكة لإنتاج الهيدروجين تفوق بكثير الطاقة التي تسترجعها خلايا الوقود بعد تحويل الهيدروجين، إلا أن هذا الحل يبدو اليوم جاذباً لعدد متزايد من المسؤولين المحليين، حيث أصبح من الضروري سياسياً تطوير الطاقات المتجددة وإيجاد نموذج اقتصادي مربح لها.

وفي اليابان كما هو الحال في الولايات المتحدة، يُعد السعي وراء الاستقلال الطاقوي محركاً قوياً يدفع الحكومات إلى رصد مبالغ طائلة للبحث والتطوير في هذا المجال. وفي ألمانيا، يدفع التوجه نحو التخلي عن الطاقة النووية بالحكومة الاتحادية والولايات (Länders) إلى استكشاف كل السبل الممكنة لإنتاج طاقة خالية من الكربون. أما في فرنسا، فإن الأقاليم هي الأكثر انخراطاً في تطوير التجارب لامتلاك شبكة إنتاج وتوزيع كهربائية محلية مرتبطة بنظام النقل العمومي. وقد بدأت عدة مشاريع ترى النور، لاسيما مشروع “H2PyiR”، وبدأت الاستثمارات تأخذ طابعاً مهيكلاً.

سياق سياسي جديد قد يكون واعداً

إذا كان السياق التكنولوجي قد تغير بنسبة ضئيلة نسبياً – بما أن التحليل الكهربائي وخلايا الوقود معروفان منذ القرن التاسع عشر – فإن السياق السياسي قد تغير تماماً.

ففي قطاع السيارات، غيرت قضية فولكس فاجن المعطيات، إذ إن التلاعب في نسب ديزل قوض ثقة السياسيين بالمصنعين بشكل دائم. ومنذ ذلك الحين، أصبح من الصعب بشكل متزايد ضمان “نظافة” المركبات الحرارية المسوقة، حتى وإن كانت المعايير تزداد صرامة وتعهد المصنعون بنزاهتهم عبر التزامات متعددة. وقد استوعبت شركة فولكس فاجن هذا الأمر جيداً، ولهذا السبب تتجه الشركة اليوم نحو تغيير جذري في استراتيجيتها من خلال برنامجها الكهربائي.

ومع ذلك، فإن المشاكل المرتبطة بالبنية التحتية والتكاليف لا تزال قائمة؛ فالمركبات لا تزال باهظة الثمن، حيث يبلغ متوسط سعر السيارات الآسيوية التي ذكرت سابقاً حوالي 60,000 يورو، أي ضعف سعر مثيلاتها الحرارية.

وعلى الرغم من وجود حلول التعديل اللاحق (Seconde-monte) للمركبات الكهربائية مثل تلك التي تقدمها شركة “Symbio Fcell”، فإن تكلفة الدخول إلى سوق السيارات الهيدروجينية لا تزال مرتفعة جداً لتصور تطور سريع لهذا الجزء. وبالمثل، ورغم استثمارات الأقاليم وتشغيل “الممرات الهيدروجينية” والمحطات المخصصة، فإن البنية التحتية تكاد تكون منعدمة اليوم.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ إقصاء الهيدروجين بسرعة من قائمة تكنولوجيات السيارات. فقد أظهرت التطورات الأخيرة في قطاع الكهرباء كيف يمكن لبناء “يوتوبيا جماعية” أن يحمل طابعاً “ذاتي التحقق”. فالأولويات العامة يمكنها، من خلال تحركاتها – سواء كانت مشروعة أم لا – أن تدعم نشر منظومة تنقل جديدة. ويتبعها الصناعيون في ذلك، حتى وإن لم يكونوا مؤمنين بها دائماً.

بالإضافة إلى ذلك، وعلى عكس السيارات الكهربائية، تتميز المركبة الهيدروجينية بميزة واضحة وهي أنها لا تغير عادات الاستخدام، بل تتماشى تماماً مع نمط المركبة الحرارية من خلال استخدام الوقود (وهو الهيدروجين هنا)؛ ولن يحتاج المستهلك إلى حملات توعية متعددة لعقلنة استخداماته. وإذا ما تم تسويق هذه المركبات بنفس سعر محرك الديزل، فإن سعر الوقود المستخدم وحده هو الذي سيؤثر على قرار الشراء.

أخيراً، ومن الناحية الرمزية والسياسية، فإن التقدم المحرز في قطاع السيارات الكهربائية قد مهد الطريق على الأرجح لتطور أسرع للهيدروجين. ولعل الصناعيين، مثلهم مثل السياسيين، قد أدركوا أن أي “ثورة” – مهما بلغت أهميتها – لا تتحقق في غضون 3 سنوات. ويبقى أن نرى كيف ستتعامل الأطراف المعنية المختلفة مع هذه المسألة، وكيف ستطور – أو ستترك المجال لتطور – المبادرات في هذا الشأن.

(أكسل فيلاريال في موقع autoactu.com)

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*