مأساة بومرداس: كفى!

تجدد كل فاجعة على طرقاتنا ألماً أضحى للأسف مألوفاً. إن الحوادث المأساوية الأخيرة التي تورطت فيها حافلات نقل المسافرين عبر مختلف ولايات الوطن، تعيد إلى الأذهان وبقوة الحصيلة الدموية لـ “إرهاب الطرقات” في الجزائر. وخلف المشاعر المشروعة وحزن العائلات المكلومة، يطرح سؤال جوهري نفسه: كم من الأرواح يجب أن نضحي بها بعد قبل أن تتحول الوقاية إلى إجبار قانوني وتقني لا مفر منه؟

العامل البشري تحت الضغط: السرعة والإرهاق

إذا كانت حالة البنية التحتية أو قدم بعض المركبات تُلقى عليها اللائمة في كثير من الأحيان، فإن تحقيقات وبيانات الحماية المدنية والحرس الوطني تتفق على خلاصة واحدة: السرعة المفرطة، والتعب أثناء القيادة، وعدم احترام قانون المرور تبقى الأسباب الرئيسية لهذه الكوارث.

في قطاع النقل الجماعي ومركبات الوزن الثقيل، يواجه السائقون نسق عمل شاقاً، وقيادة لمسافات طويلة ليلية دون فترات راحة كافية، فضلاً عن الضغوط التجارية التي تجعل من ربحية كل كيلومتر أولوية على حساب قواعد السلامة الأساسية. وفي غياب رقابة موضوعية وآلية في الوقت الفعلي، أثبتت النداءات الداعية للوعي والعقوبات اللاحقة عدم كفايتها للحد من هذه المجزرة المتكررة.

جهاز “الكرونوتاكيغراف”: الصندوق الأسود الضروري

أمام هذا الواقع الأليم، لم يعد إقرار والتعميم الصارم لاستخدام جهاز تسجيل سرعة وزمام قيادة السيارات (Chronotachygraphe) على كافة حافلات نقل المسافرين وشاحنات الوزن الثقيل مجرد خيار تقني، بل أصلح ضرورة ملحة تخص الأمن القومي والسلامة العمومية.

يقوم هذا الجهاز المدمج في المركبة بتسجيل دائم وشفاف لـ:

  • السرعة اللحظية للمركبة.

  • أوقات القيادة المتواصلة وفترات الراحة الإجبارية.

  • المسافات المقطوعة وتوقفات الرحلة.

بصفته رقيباً محايداً، ينهي هذا الجهاز الشعور بالإفلات من العقاب، ويحمي السائق نفسه من الإرهاق البدني، كما يحمّل شركات ومؤسسات النقل المسؤولية المباشرة عن ظروف عمل سائقيها.

من إجراء تنظيمي إلى سياسة “عدم التسامح”

إن إدخال هذه التقنية يجب ألا يظل حبراً على ورق أو مادة قانونية معطلة. ولتحقيق النتائج المرجوة، يجب أن يرافق هذا الإجراء مخطط شامل يقوم على:

  1. إلزامية التجهيز الاعتماد الرسمي لكل مركبات الوزن الثقيل والحافلات، سواء الجديدة أو المستعملة، تحت طائلة التوقيف الفوري للمركبة.

  2. رقمنة البيانات والتفتيش الفجائي من طرف مصالح الأمن عند حواجز المراقبة للتحقق من بطاقات السائقين وتسجيلات الجهاز.

  3. التشدد في العقوبات في حالات التزوير، أو تعطيل الجهاز، أو التجاوز التعسفي لساعات القيادة المسموح بها.

استبدال الحتمية بالصرامة

إن السلامة على طرقاتنا ليست قضاءً وقصراً لا مفر منه، فالانتقال من ردود الفعل العاطفية إلى سياسة وقائية مهيكلة يستدعي قرارات شجاعة. إن التجسيد الفعلي لإلزامية “الكرونوتاكيغراف” هو الخطوة الأولى والأساسية لتنظيم القطاع، وإعادة الانضباط إلى سياقة المركبات، والأهم من ذلك كله: حفظ أغلى ما نملك.. أرواح المواطنين.

Leave a comment

Your email address will not be published.


*