شهدت مقصورات السيارات الحديثة خلال السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا؛ حيث تراجعت الأزرار والمفاتيح الميكانيكية التقليدية لصالح شاشات لمسية عملاقة وقوائم رقمية معقدة. ورغم أن هذا التوجه يمنح السيارة مظهرًا عصريًا وأنيقًا، إلا أن السلامة المرورية باتت تدفع الثمن.
هذا ما أكدته دراسة حديثة صادرة عن الهيئة الألمانية العامة للسيارات (ADAC) — أكبر نادٍ للسيارات في أوروبا — والتي حذرت فيها من الأثر السلبي للاعتاماد المفرط على الشاشات اللمسية داخل السيارات، مشيرة إلى أنها تشتت انتباه السائق وتزيد من مخاطر الحوادث.
نتائج دراسة ADAC: تراجع مستمر في سهولة الاستخدام
أخضعت ADAC عدة سيارات حديثة مزودة بأنظمة معلوماتية وترفيهية مختلفة لاختبارات دقيقة، بهدف قياس الوقت الذي يستغرقه السائق لتنفيذ مهام أساسية أثناء القيادة (مثل ضبط التكييف، تغيير محطة الراديو، تشغيل مساحات الزجاج، أو تعديل تدفئة المقاعد).
وجاءت نتائج الدراسة قاطعة: الانتقال الكامل للتحكم عبر الشاشات اللمسية يتطلب مستوى أعلى بكثير من التركيز البصري والذهني مقارنة بالأزرار الميكانيكية.
-
غياب الذاكرة اللمسية: على عكس الأزرار التقليدية التي يمكن للسائق تحديد موقعها والضغط عليها باللمس دون إبعاد عينيه عن الطريق، تتطلب الشاشة اللمسية النظر إليها مباشرة لتحديد مكان اللمس.
-
تعقيد القوائم الفرعية: إدراج وظائف حيوية داخل قوائم رقمية متعددة يجبر السائق على التنقل بين الصفحات أثناء القيادة، مما يستغرق عدة ثوانٍ ثمينة.
مفارقة تحذيرات الأمان: أشارت ADAC إلى موقف طريف ولكنه خطير، حيث تبدأ أنظمة مراقبة انتباه السائق في السيارة بإصدار تنبيهات تحذيرية لأن السائق لا ينظر إلى الطريق… في حين أنه يحاول فقط خفض صوت الراديو أو ضبط المكيف عبر الشاشة!
عامل التشتيت: ثوانٍ من القيادة العمياء على سرعة 130 كم/س
إن إبعاد العينين عن الطريق لثوانٍ معدودة ليس أمرًا بسيطًا. تُظهر الدراسات المتعلقة بالتركيز البصري والعبء الذهني أرقامًا ناطقة:
| الإجراء داخل السيارة | متوسط وقت النظر بعيدًا عن الطريق | المسافة المقطوعة دون النظر (على سرعة 130 كم/س) |
| تعديل زر ميكانيكي تقليدي | 0.5 إلى 1 ثانية | 18 إلى 36 مترًا |
| التنقل داخل قائمة لمسية | 3 إلى 5 ثوانٍ | 108 إلى 180 مترًا |
| إدخال وجهة في GPS أو البحث عن وسائط | 10 ثوانٍ أو أكثر | أكثر من 360 مترًا |
قطع مسافة تعادل ملاعب كرة قدم دون النظر إلى الطريق يخلق هامش خطر هائل، حيث يمكن لأي تباطؤ مفاجئ من السيارة الأمامية أو تغير في حركة المرور أن يؤدي إلى حادث محقق.
لماذا اتجهت شركات السيارات إلى الشاشات بالكامل؟
رغم العيوب المؤكدة على صعيد السلامة، تبنت شركات السيارات هذا النهج لسببين رئيسيين:
-
تقليل تكاليف الإنتاج: تصميم وتوصيل وتجميع العشرات من الأزرار والمفاتيح الميكانيكية يتطلب تكلفة عالية وخطوط تجميع معقدة. واستبدال كل ذلك بشاشة واحدة متصلة بحاسوب مركزي يقلل التكاليف بشكل كبير.
-
التحديثات البرمجية عبر الهواء (OTA): تتيح الشاشات إضافة ميزات جديدة أو تعديل واجهة المستخدم عن بُعد عبر التحديثات البرمجية، وهو أمر مستحيل مع الأزرار المادية الثابتة.
نحو العودة إلى الخيارات العقلانية بفضل Euro NCAP
أمام تحذيرات ADAC وغيرها من هيئات تقييم السلامة، بدأت الجهات التنظيمية في اتخاذ خطوات جادة.
فقد أعلن البرنامج الأوروبي لتقييم السيارات الجديدة (Euro NCAP) — المسؤول عن اختبارات تصادم السيارات وتقييم سلامتها — عن تعديل معايير التقييم: فللحصول على التقييم الأعلى (5 نجوم)، يتوجب على المصنّعين توفير أزرار ميكانيكية أو أدوات تحكم مادية مخصصة للوظائف الحيوية التالية:
-
إشارات الاتجاه (الغمّازات)
-
أضواء التحذير (الرباعي)
-
مساحات الزجاج الأمامي
-
آلة التنبيك (الزمور/الباك)
-
نظام اتصال الطوارئ (eCall)
يؤكد هذا التوجه على أهمية تحقيق التوازن العقلاني بين التكنولوجيا الحديثة والأزرار الميكانيكية الأساسية، مشددًا على أن الابتكار يجب ألا يكون أبدا على حساب سلامة السائقين والركاب.
Leave a Reply